المستشار د.عبد العزيز محمد سالمان

                                                                                                                                                                                                 رئيس هيئة المفوضين

تمهيد:

في إطار احتفال المحكمة الدستورية العليا بمرور أربعين عاماً على إنشاء القضاء الدستوري في مصر ذلك الحدث التاريخي البارز والذي ستتضح قيمته الحقيقية فيما بعد، ثارت مناقشات علمية رائعة وتطرقت هذه المناقشات إلى الحديث عن التحديات المستقبلية التي تواجه محكمتنا والمهمة التي ستلقى على عاتق قضاتها خاصة حين تسعى لسد ثغرة قد تراها قائمة بين الواقع وما يقتضيه تطور التشريع أو الإسراع بسد النقص في جوانب بعض نصوص التشريع وقد دعا البعض إلى أن تتوسع المحكمة وتكون أكثر إقداماً حين يتعلق الأمر بمباشرة رقابتها على ما أغفل المشرع تنظيمه وهو ما دعانا إلى محاولة تقعيد هذه المسألة ووضعها في إطارها الدستوري الصحيح وضبط بعض حدودها واضعين نصب عينينا منهج المحكمة الدستورية العليا في مباشرة هذا النوع من الرقابة، وهي محاولة لا تبتغى أكثر من إثارة النقاش حول هذا الموضوع الهام ولا ترنوا أبداً إلى أن تكون عرضاً مكتملاً لكل جوانبه.

- الحدود الدستورية لكل من السلطتين التشريعية والقضائية:

أصبح مبدأ فصل السلطات ملازماً للديمقراطية الكلاسيكية ومن مبررات منع الاستبداد وصيانة الحرية وضمان مبدأ الشرعية وتحقيق المزايا المترتبة على مبدأ تقسيم العمل، وغدا هذا المبدأ بمثابة سلاح من أسلحة الكفاح ضد السلطة المطلقة وضد فكرة تركيزها في يد شخص واحد أو هيئة واحدة منعاً لاستبدادها وتعسفها.

ومقتضى هذا المبدأ أن تتوزع السلطة داخل الدولة بين ثلاث سلطات أحدهما تتولى التشريع والثانية التنفيذ والثالثة الفصل في المنازعات، على أن تستقل كل سلطة بمباشرة الوظيفة التي أسندها إليها الدستور، وليس لأي من السلطات الثلاث أن تباشر عملاً يدخل في ولاية السلطة الأخرى ما لم يوجد نص في الدستور يقضي بغير ذلك.

وهذه السلطات الثلاث إذ ينشأها الدستور فإنه أيضاً هو الذي يحدد لكل منها اختصاصاتها ويبين الأطر العامة لولاية كل منها.

وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا على هذه المعان في حكمها الصادر في القضية الدستورية رقم 37 لسنة 9 قضائية بجلسة 19/5/1990 بقولها "إن الدستور هو القانون الأساسى الأعلى الذى يرسى القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تضفى عليه صفة السيادة والسمو بحسبانه كفيل الحريات وموئلها وعماد الحياة الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده أن تستوى على القمة من البناء القانونى للدولة وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التى يتعين على الدولة التزامها فى تشريعها وفى قضائها وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، ودون أى تفرقة أو تمييز- فى مجال الالتزام بها – بين السلطات العامة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ذلك أن هذه السلطات كلها سلطات مؤسسة أنشأها الدستور، تستمد منه وجودها وكيانها وهو المرجع فى تحديد وظائفها، ومن ثم تعتبر جميعها أمام الدستور على درجة سواء، وتقف كل منها مع الأخرى على قدم المساواة، قائمة بوظيفتها الدستورية متعاونة فيما بينها فى الحدود المقررة لذلك، خاضعة لأحكام الدستور الذى له وحده الكلمة العليا وعند أحكامه تنزل السلطات العامة جميعاً والدولة فى ذلك إنما تلتزم أصلاً من أصول الحكم الديمقراطي، هو الخضوع لمبدأ سيادة الدستور، وهو ما حرص الدستور القائم على تقريره بالنص فى المادة 64 منه على أن " سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة " وفى المادة 65 منه على أن " تخضع الدولة للقانون.... " ولا ريب فى أن المقصود بالقانون فى هذا الشأن هو القانون بمعناه الموضوعى الأعم الذى يشمل كل قاعدة عامة مجردة أيا كان مصدرها ويأتى على رأسها وفى الصدارة منها الدستور بوصفه أعلى القوانين وأسماها، وإذ كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصلاً مقرراً وحكماً لازماً لكل نظام ديمقراطى سليم ، فإنه يكون لزاماً على كل سلطة عامة أيا كان شأنها وأيا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، النزول عند قواعد الدستور ومبادئه والتزام حدوده وقيوده، فإن هى خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، وخضع- متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة – للرقابة القضائية التى عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا بوصفها الهيئة القضائية العليا التى اختصها دون غيرها بالفصل فى دستورية القوانين واللوائح بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها".

وإذا كان الدستور يحدد وظيفة كل سلطة وما يدخل ولايتها فإنه يضع كل ذلك في صيغة مرنة تسمح بقدر من الحرية في التصرف يختلف ضيقاً واتساعاً بحسب الأحوال مما دعا بعض الفقهاء إلى التحدث عن السلطة التقديرية للسلطة التأسيسية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية.

- السلطة التأسيسية:-

هي السلطة المؤسسة التي تضع دستور الدولة، وتحدد بمطلق حريتها، ودون قيد قانوني ما، شكل الدولة ونظام الحكم فيها، وحريات الأفراد، واختصاصات السلطات العامة، وعلاقتها بعضها ببعضها الآخر وفقاً للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية وإذا كان المثل الأعلى يقتضي أن يجئ عمل السلطة التأسيسية صورة صادقة لرغبات الشعب، فإنه لا جزاء على مخالفة السلطة التأسيسية لتلك الرغبات، إذا استثنينا رد الفعل الذي قد يتولد عن ذلك في نفوس أفراد الجماعة مما يؤدي إلى سقوط الدستور بطريق سلمي أو ثوري. وإذا كانت مبادئ القانون الدولي العام قد تفرض قيوداً معينة على السلطات التأسيسية، إما مراعاة لمصالح الدول الأخرى، أو لحريات الأفراد، فإنه لا جزاء حتى الآن على مخالفة هيئة تأسيسية ما لتلك الالتزامات، وبصدور الدستور فإن جميع السلطات العامة في الدولة تلتزم بما جاء به من أوامر ونواه مهما كانت مطابقتها القواعد الدولية.

وغني عن البيان أن هذه الحرية التي لا تعرف الحدود ولا تخضع لرقابة أبعد ما تكون عن السلطة التقديرية بمعناها المعروف ولهذا فلا محل للتحدث عن "السلطة التقديرية للهيئة التأسيسية" (1) .

- السلطة التشريعية :-

تتمتع السلطة التشريعية في ممارسة اختصاصاتها بحرية واسعة، ولكنها ليست مطلقة كما هو الشأن بالنسبة للسلطة التأسيسية.

فالمشرع يتقيد بما ورد بالدستور من قواعد، ويتقيد على الراجح بالمبادئ الطبيعية العامة التي تستمد وجودها من وجود الإنسان وآدميته، والتي اعترف القضاء في مصر وفرنسا بوجودها وبإلزامها للمشرع حتى ولو لم يرد بشأنها نص خاص في دستور الدولة. لكن مهما كانت تلك القيود فإنها تترك للمشرع حرية واسعة، يستطيع بمقتضاها أن يضع من القواعد ما يشاء.

فالأصل هو حرية السلطة التشريعية، والاستثناء هو القيود التي يضعها الدستور، وهي قيود فضفاضة عادة. والسلطة التشريعية – في نطاق الحرية التي يتركها لها الدستور – تختار بمطلق إرادتها، ودون معقب التنظيم الذي يتفق والصالح العام.

وإذا أخضع الدستور التشريع العادي لقيود معينة فيما يتعلق بالشكل (أي المراحل التي يمر بها التشريع لكي يصبح قانوناً) والاختصاص (أي الهيئات التي تملك المساهمة في التشريع) والمحل (أي القيود الموضوعية التي ليس للتشريع أن يتخطاها كتجريم المصادرة العامة أو إسقاط الجنسية) فإن المسلم به أن السلطة التشريعية تستقل بتقدير أهداف التشريع لأن ذلك يتعلق بنطاق السياسة أكثر منه بالقانون، ولأن التشريع لابد وأن يصطبغ بصبغة الحزب الغالب، وما دامت التشريعات الصادرة من البرلمان لا تخالف نصاً أو قاعدة دستورية سواء كانت المخالفة مباشرة أو غير مباشرة، فإن تقدير مدى الآثار الاجتماعية للقانون يجب أن يترك للمشرع دون معقب عليه إلا من الرأي العام بالطريق الذي ينظمه الدستور (سواء كان ذلك عن طريق الاعتراض الشعبي أو الاقتراح الشعبي أو الاستفتاء الشعبي وهي مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة أو عن طريق الانتخابات عند تجديد المجالس النيابية في الديمقراطية النيابية) (2) .

- حدود السلطة التقديرية للمشرع ومدى إطلاقها:

الأصل بالنسبة للمشرع هو حريته بصدد التشريع فهو الذي يحدد الهدف من التشريع والمصلحة المبتغاة ومدى ملاءمته في وقت معين كما يحدد الباعث عليه، وحيث يثبت أن الدستور لم يفرض قيداً صريحاً أو ضمنياً فمن المصلحة أن نترك تقدير حرية الأهداف لممثلي الشعب تحت رقابة الشعب لأن ذلك يمكن من تطوير التشريع، والسير قدماً في النطاق الذي رسمه الدستور.

هذا لا ينفي بطبيعة الحال فرض قيود على المشرع بمعرفة القضاء الدستوري في حالات لم يخضعه فيها الدستور لقيد محدد.

وبصفة عامة فإن فكرة ضرورة التشريع أو عدم ضرورته ومدى الحاجة إليه، وتدخل المشرع بالتشريع في موضوع معين في زمن معين أو إحجامه عن التدخل يعد جوهر السلطة التقديرية للمشرع. فتنظيم موضوع ما ومدى الحاجة إلى وجود التشريع أمر تختص به السلطة التشريعية وفقاً للملاءمات التي تراها، فهي التي تقدر متى تتدخل لوضع تشريع معين، ومتى تتدخل لإلغاء هذا التشريع أو تعديله، فلا يستطيع أن يحدد الدستور مدى الحاجة إلى التشريع مستقبلاً، ولا توجد صلة بين الحاجة إلى التشريع وبين دستوريته (3).

فإذا قعد المشرع عن أن يتناول مسألة ما بالتنظيم فإنه لا يجوز حمله على التدخل – كأصل – ما لم يكن الدستور قد أوجب عليه التدخل وحدد له وقت تدخله وهو أمر لا يحدث كثيراً.

وإذا كانت طبيعة السلطة التقديرية للمشرع يتدخل في بلورتها وتشكيلها عدة عوامل من أهمها طريقة صياغة الدستور ذاته ومدى تفصيل أو إيجاز الأحكام التي يتضمنها ومدى تعدد القيود الموضوعية التي يفرضها التي تكون مردوداً للفلسفة السياسية التي يعتنقها مما لا مجال لتفصيله هنا إلا أن هذه السلطة على كل حال ليست سلطة مطلقة.

غير أن الصعوبة الأكبر هي في نطاق سلطة التقدير التي يتمتع بها البرلمان فيما يقره من القوانين ذلك أن التقدير ليس تشهياً أو إملاء، وإنما التقدير نقيص كل تحكم.

ويفترض لجوازه دستورياً أن يفاضل المشرع وفق أسس منطقية بين بدائل تتزاحم جميعها على تقديم حلول مختلفة في الموضوع الواحد، وأن جميعها يدور في إطار المصلحة العامة ويتغيا تحقيقها، فلا تطرح هذه البدائل غير حلول منطقية وقانونية ينظر المشرع فيها ليختار أقلها تقييداً للحقوق التي ينظمها، وأعمقها إتصالاً بالأغراض التي تستهدفها، وبالمصالح التي تعطيها فاعليتها.

فالتقدير ليس سوى إعمال حكم العقل في شأن حلول مختلفة تتنازع جميعها الموضوع محل التنظيم ليعطيها المشرع حقها من التقييم الموضوعي المجرد من مظاهر الافتعال. ولا يجوز أن يقال بأن خوض جهة الرقابة القضائية على الدستورية في نطاق السلطة التقديرية للمشرع هو إحلال لنفسها محل المشرع فيما يراه صواباً. ذلك أن جهة الرقابة هذه لا تقدم للمشرع بديلاً تراه هي أكثر ملاءمة أو أجدر قبولاً إنما تحرص على تحقيق أمرين:

أولهما: تحديد الأغراض النهائية التي توخاها المشرع من التنظيم التشريعي المطعون فيه.

ثانيهما: النظر في الوسائل التي اختطها المشرع لتحقيق هذه الأغراض.

وفي ضوء هاتين الوجهتين، لا يعتبر عمل المشرع موافقاً للدستور ما لم تتوافر علاقة منطقية ومفهومة تربط النصوص القانونية التي أقرها أو أصدرها بأهدافها.و شرط ذلك بطبيعة الحال ألا يكون الدستور قد قيد المشرع بفرائض حددها، إذ يتعين عندئذ إبطال النصوص القانونية التي تخالفها – أياً كان قدر اتصالها بأهدافها – ذلك أن فرائض الدستور لازمها أن يعمل المشرع في إطار سلطة مقيدة لا  تقديرية (4).

- القضاء الدستوري وخصوصية وظيفته:

تنفرد السلطة القضائية – كأصل – بمزاولة الوظيفة القضائية التي تتحصل في تطبيق القانون على المنازعات التي ترفع إليها سواء وقعت هذه المنازعات بين الأفراد بعضهم والبعض الآخر نتيجة لتصادم حقوق أو تعارض مصالحهم، أو بين السلطات العامة والأفراد نتيجة لمزاولة الأولى لوظيفتها وإحتكاك هذا النشاط بحقوق الأفراد وحرياتهم. وتفصل السلطة القضائية في هذه الخصومات بإصدار أحكام لها قوة الشيء المقضي .

ويهدف القضاء في مباشرة وظيفته إلى تحقيق هدفين أساسين يتحصلان في رعاية الصالح العام وصالح الأفراد على السواء أما الصالح العام، فيبدو في تقويم السلطتين التنفيذية والتشريعية عن طريق إجبارهما على احترام القانون والخضوع لسلطانه. ويكون ذلك عن طريق إلغاء كل تصرف أو الامتناع عن تطبيقه إذا ثبت مخالفته لمبدأ المشروعية.

أما صالح الأفراد فيتمثل في حماية حقوقهم وحرياتهم ويكون ذلك عن طريق إلغاء القرارات الإدارية أو التعويض عنها إذا مست حقاً لفرد أو نالت من حريته (5).

- والوظيفة القضائية يتسع مداها ليشمل الرقابة على السلطة التشريعية في صورة مراقبة دستورية القوانين الصادرة عنها. فاختصاص السلطة القضائية في رقابة دستورية القوانين واستبعاد ما يكون منها مخالفاً للدستور هو اختصاص مستمد من وظيفتها التي تقوم على تطبيق القانون بمعناه العام.

وإذا كان نبع القضاء الدستوري مرجعه إلى طبيعة السلطة القضائية ووظيفتها بوجه عام إلا أنه له مع ذلك خصوصية تقتضي أن ننظر إليه وإلى وظيفته نظرة مغايرة لنظرتنا للقضاء بوجه عام وذلك لما يحيط به من اعتبارات خاصة لا مقابل لها في نوعي القضاء العادي أو الإداري.

فالقاضي الدستوري يمارس سلطة تقديرية واسعة حين يستخدم حقه المقرر في الرقابة على دستورية القوانين ويرجع اتساع هذه السلطة التقديرية إلى أن نصوص الدساتير نصوص لها طبيعة خاصة تميزها عن سائر النصوص القانونية، إذ يقع بعضها على الحدود الفاصلة بين عالم السياسة وعالم القانون.

فالنصوص الدستورية التي تعالج أمر سلطات الحكم ورسم الحدود الفاصلة بينها تحمل بسبب عمومها تفسيرات متعددة، مثلها في ذلك النصوص التي ترسم الحدود بين سلطات الدولة المختلفة وحقوق الأفراد والجماعات فإذا أضفنا إلى ذلك أن النصوص الدستورية العديدة التي تُحدد للمشرع ولسائر سلطات الحكم في الدولة، تشتمل على توجهات موضوعية عامة في العديد من الشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن ذلك التحديد يتم عادة من خلال نصوص عامة (6) أظهرت الصورة بكل وضوح طبيعة دور القاضي الدستوري.

الدور الإنشائي للقاضي الدستوري:

تنحصر مهمة القاضي الدستوري في حين يباشر الرقابة على دستورية القوانين في أحد أمرين إما الحكم بدستورية القانون المطعون فيه إذا تبين له بعد فحصه أنه لا يخالف الدستور، وإما الحكم بعدم دستوريته إذا تبين أنه يخالف نصاً في الدستور، دون أن يكون له في الحالتين سلطة تصحيحه أو تعديله على النحو الذي يجعله متوافقاً مع الدستور وهو حين يقوم بذلك فإنه لا يقوم به بصورة حرفية، فالقضاء الدستوري ليس مجرد قضاء تطبيقياً يقوم بإنزال حكم الدستور بشكل آلى أو مجرد على الواقعات المعروضة عليه، وإنما يتحتم عليه دوماً أن يحاول التوفيق والموازنة بين الشرعية الدستورية وإعلاء حكم الدستور، وبين المحافظة على الاستقرار داخل الدولة وتحقيقه وهو إذ يحاول إقامة هذا التوازن فإنه يبتكر من الحلول التي تحقق الاعتبارين معاً ويأخذ بالتأويلات والتفسيرات التي توصله إلى هدفه ولو كان بعضها يخالف ظاهر ما يؤدي إليه النص الدستوري، تلك المهمة ينفتح معها الباب لدور إنشائي وإبداعي كبير يقوم به القضاء الدستوري مكنه من القيام به النصوص الدستورية ذاتها وما تحمله من عمومية وسعة في خطابها ومرونة في تفسيرها تلك التفسيرات التي لا يمكن أن تنفصل عن الرؤية الخاصة للقاضي الدستوري في كثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتعرض لها في حكمه.

ولهذا السبب نؤيد بحق من قال إن العدالة الدستورية ليست أبداً عدالة معصوبة العينين والرقابة على دستورية القوانين ليست عملية حسابية أو آلية يوضع بها نص القانون في مواجهة نص الدستور فتظهر على الفور مدى التطابق بينهما أو مدى مخالفة القانون لنصوص الدستور (7).

إن النصوص الدستورية تعالج أموراً بالغة التعقيد تتصل بمبادئ سياسية واجتماعية واقتصادية يتفاوت النظر في تحديد مدلولها وتحديد نطاقها. والقضاة في نهاية الأمر- مواطنون يشاركون في حياة مجتمعهم ولكل منهم – وهم بشر – رأيه الخاص وتوجهاته الخاصة ومنطلقاته الفكرية تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، ومن شأن هذه الآراء والتوجهات أن تجد سبيلها إلى الأحكام القضائية التي يصدرها أولئك القضاة، وهم يفصلون في أمر دستورية نص تشريعي يعالج الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية (8).

- رقابة دستورية الإغفال التشريعي:

يعد مصطلح الإغفال التشريعي من المصطلحات حديثة الظهور سواء على المستوى المحلي أو المقارن وهو مصطلح لم يتم الاتفاق بعد على تحديد المعنى أو المحتوى الحقيقي له رغم مواجهة المحكمة الدستورية العليا لنوع محدد من الإغفال منذ زمن ليس بالقصير.

- تحديد مفهوم الإغفال التشريعي:

يتحقق الإغفال التشريعي - الذي يمكن أن يكون محل رقابة من القضاء الدستوري - إذا تناول المشرع أحد الموضوعات التي يختص بها بالتنظيم، لكنه يأتي- سواء عن عمد أو إهمال -غير مكتمل أي تنظيماً قاصراً عن أن يحيط بكافة جوانبه وبما يؤدي بالإخلال بالضمانة الدستورية للموضوع محل التنظيم.

فعلى سبيل المثال فإن الدستور حين ينص على ضمان حق الدفاع فإن المفترض في التنظيم التشريعي لهذا الحق أن يكون فعالاً، ويبطل كل تنظيم قانوني يحد من هذه الفعالية كأن يخلو من النصوص التي تكفل إيصال المتهم بمحاميه، ليس فقط وقت توجيه التهمة، بل كذلك في كافة المراحل المؤثرة في مصيره بما في ذلك مرحلة التحقيق الابتدائي، ثم مرحلة الاتهام التي أعقبتها وحتى الفصل فيه. وهي ضمانة تشمل كذلك إمكان الطعن في الحكم الصادر في الاتهام وضرورة تمكين المتهم ومحاميه من الفرص الكاملة التي يعد منها الدفاع بما في ذلك ضرورة الإفراج عن المتهم ولو بكفالة غير مغالي فيها – إذا كان هذا الإفراج مبرراً - كأن يكون لازماً لتحضير وثائق تدحض التهمة وتنفيها.

بل إن حق الدفاع يختل كذلك في كل محاكمة اختصر المشرع إجراءاتها ولم يكفل علانية جلساتها، ولم يحط حقوق المتهم فيها بضوابط يوازن بها الحقوق التي كفلها لسلطة الاتهام، كأن يخل بشرط مواجهة المتهم لشهود النيابة أو بحق المتهم في أن يحصل على شهوده الذين ينفعون الاتهام ويقارعون النيابة في أدلتها. وإغفال النصوص القانونية لشيء مما تقدم هو إخلال بضمانة الدفاع ذاتها التي كفلها الدستور، ويتعين أن يكون الجزاء على هذا الإغفال هو عين الجزاء المقرر على العدوان على حق الدفاع بنص قانوني مباشر (9).

كذلك ما ينص عليه الدستور من ضمان حرية التعبير، يفترض ألا تعاق وسائل مباشرتها, وأن تتعدد طرائق التعبير، وأن تكون الآفاق المفتوحة هي نافذتها، وألا تكون الحدود الإقليمية حاجزاً يحول دونها، وأن تقترن بالحق في نشر الآراء على اختلافها، وبالحق في انتقاد القائمين بالعمل العام ولو كان مريراً، وبالحق في الحصول على المعلومات من كافة روافدها، وفي مقابلة الآراء ببعضها، وفي ألا تصادر الرسالة التعبيرية بالنظر إلى مضمونها ولا على ضوء صفة من يفصحون عنها أو يتلقونها أو يروجونها وفي ألا يكون الإعلام قائماً على الاحتكار، وإنما ينبغي أن تكون سوقه مفتوحة لمن يريد أن يطرقها. فإذا نقص قانون هذه الأبعاد المختلفة لحرية التعبير أو حط من بعضها أو أحبط أثرها أو أهمل تقرير بعض جوانبها كان هذا القانون باطلاً ومخالفاً للدستور سواء فيما انتقص به من ضماناتها أو ما أغفل تقريره من الحدود اللازمة لتفعيلها (10).

- وتبدو أهمية معالجة الإغفال التشريعي من ناحتين:

الأولى: أن كل مخالفة للدستور سواء تعمدها المشرع أو انزلق إليها بغير قصد يتعين قمعها.

الثانية: أن الدستور يكفل لكل حق أو حرية نص عليها، الحماية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية. وتتمثل هذه الحماية في الضمانة التي يكفلها الدستور لحقوق المواطنين وحرياتهم، والتي يعتبر إنفاذها شرطاً للانتفاع بها في الصورة التي تصورها الدستور نطاقاً فاعلاً لها.

وهذه الضمانة ذاتها هي التي يفترض أن يستهدفها المشرع وأن يعمل على تحقيق وسائلها من خلال النصوص القانونية التي ينظم بها هذه الحقوق وتلك الحريات وشرط ذلك بطبيعة الحال أن يكون تنظيماً كافلاً لتنفسها في مجالاتها الحيوية وأن يحيط بكل أجزائها التي لها شأن في ضمان قيمتها العملية.

فإذا نظمها المشرع تنظيماً قاصر، وذلك بأن أغفل أو أهمل جانباً من النصوص القانونية التي لا يكتمل هذا التنظيم إلا بها، كأن ذلك إخلالاً لضمانتها التي هيأها الدستور لها وفي ذلك مخالفة للدستور (11).

- الإغفال التشريعي محل الرقابة وما قد يختلط به:

إذا كان ما ذكرناه سلفاً هو - من وجه نظرنا - الإغفال التشريعي الذي يصح أن يراقبه القاضي الدستوري حماية للحقوق والحريات في أقصى مدى لها، إلا أن الفقه يخلط أحياناً بين هذا الإغفال وبين بعض الأفكار الأخرى كالتسلب من الاختصاص، أو السكوت عن التنظيم.

- الإغفال التشريعي والتسلب من الاختصاص:

يأتي التسلب من الاختصاص عندما يسند الدستور تنظيم حق من الحقوق إلى السلطة التشريعية ففي هذه الحالة يجب أن تتولى تنظيم هذا الموضوع عن طريق إصدار تشريع ينظم هذا الحق بصورة مباشرة أو يتولى على الأقل تنظيم أطره العامة وخطوطه العريضة وعناصره الرئيسية فإذا لم تتولى السلطة التشريعية هذا التنظيم وأحالته برمته إلى السلطة التنفيذية فإن هذا يعد تسلباً من اختصاص ناطها الدستور مباشرته وهذا أمر مغاير تماماً لفكرة الإغفال التشريعي الذي يتولى فيه المشرع تنظيم الموضوع لكن يأتي تنظيمه قاصراً وغير مكتمل جوانبه.

وإيضاحاً لفكرة التسلب من الاختصاص فقد أوردت المحكمة الدستورية العليا أن (12)  " حرية الانتقال تنخرط فى مصاف الحريات العامة، وأن تقييدها دون مقتض مشروع، إنما يجرد الحرية الشخصية من بعض خصائصها، ويقوّض صحيح بنيانها؛ وقد عهد الدستور بهذا النص إلى السلطة التشريعية دون غيرها بتقدير هذا المقتضى، ولازم ذلك، أن يكون تعيين شروط إصدار وثيقة السفر بيد هذه السلطة، والأصل فيها هو المنح، استصحابا لأصل الحرية فى الانتقال؛ والاستثناء هو المنع؛ وأن المنع من التنقل لايملكه إلا قاض، أو عضو نيابة عامة، يعهد إليه القانون بذلك دون تدخل من السلطة التنفيذية.

وحيث إن الدستور قد احتفى - كذلك  - بالحقوق المتصلة بالحق فى التنقل فنص فى المادة 50 منه على حظر إلزام المواطن بالإقامة فى مكان معين أو منعه من الإقامة فى جهة معينة إلا فى الأحوال التى يبينها القانون، وتبعتها المادة 51 لتمنع إبعاد المواطن عن البلاد أوحرمانه من العودة إليها، وجاءت المادة 52 لتؤكد حق المواطن فى الهجرة الدائمة أو الموقوتة على أن ينظم القانون هذا الحق وإجراءات وشروط الهجرة ومغادرة البلاد؛ ومقتضى هذا أن الدستور لم يعقد للسلطة التنفيذية اختصاصاً ما بتنظيم شئ مما يمس الحقوق التى كفلها الدستور فيما تقدم، وأن هذا التنظيم يتعين أن تتولاه السلطة التشريعية بماتصدره من قوانين · متى كان ذلك، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه إذا ماأسند الدستور تنظيم حق من الحقوق إلى السلطة التشريعية فلايجوز لها أن تتسلب من اختصاصها، وتحيل الأمر برمته إلى السلطة التنفيذية دون أن تقيدها فى ذلك بضوابط عامة وأسس رئيسية تلتزم بالعمل فى إطارها، فإذا ما خرج المشرع على ذلك وناط بالسلطة التنفيذية، تنظيم الحق من أساسه، كان متخلياً عن اختصاصه الأصيل المقرر بالمادة 86 من الدستور، ساقطاً - بالتالى - فى هوة المخالفة الدستورية".

- الإغفال التشريعي والسكوت عن التنظيم:

السكوت عن تنظيم مسألة ما أو عدم التدخل بالتشريع في موضوع معين هو ما يسميه الفقه بالإغفال الكلي ويخضعونه في بعض النظم لرقابة القاضي الدستوري بمعالجات مختلفة .

وقد سبق أن أوردنا أن التدخل بالتشريع أو عدم التدخل وبمعنى آخر فإن تقرير الحاجة إلى التشريع ومن ثم التدخل لتنظيم الموضوع محل التشريع، أو عدم الحاجة إليه ومن ثم السكوت يعد أهم خصائص السلطة التقديرية للمشرع ما لم يطلب منه الدستور هذا التدخل ومن ثم فإن السكوت عن التنظيم لمسالة ما لا تعد من قبيل الإغفال التشريعي وليست مدعاة لرقابة المشرع في هذه الجزئية إذ لا توجد صلة بين الحاجة إلى التشريع وبين دستوريته.

وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا أن تنظيم الحقوق منوط بالمشرع ، وكان استعماله لسلطته في هذا الشأن رخصة يباشرها، كلما اقتضاها الصالح العام، وفي الوقت الذي يراه مناسباً، إلا أن تدخله يغدو عزيمة إذا ما دعاه الدستور إلى تنظيم حق من الحقوق. فإن أدى مسلكه إلى الإخلال بهذا الحق، كان ذلك مخالفاً للدستور(13).

وأكدت في موضع آخر بأن "إقرار قانون أو إصدار قرار بقانون في موضوع معين هو مما تستقل السلطتان التشريعية والتنفيذية بتقديره وفقاً لأحكام الدستور، ولا يجوز بالتالي حملها على التدخل في زمن معين أو على نحو ما. كذلك فإن قعودها عن إقرار تنظيم تشريعي في هذا النطاق، لا يعتبر بمثابة عقبة قانونية تحول بذاتها دون إنفاذ الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية وفرضها على المعارضين لها لضمان النزول عليها (14).

خلاصة الأمر أن السكوت عن التنظيم أو ما قد يسمى بالإغفال الكلي ليس محلاً لرقابة الدستورية من جانب القضاء في الكثير من النظم وحتى تلك النظم التي تراقبه لا تراقبه مراقبة جادة لا تصل في مداها إلى ما هو أكثر من المناشدة أو الدعوة إلى ملء الفراغ التشريعي باستثناء القلة النادرة التي يعتبر فيها القاضي الدستوري شريكاً للسلطة التشريعية في مباشرة اختصاصها كما هو الحال بالنسبة للمحكمة الدستورية بجنوب أفريقيا (15).

لكن كيف نعالج مسألة السكوت عن التنظيم؟ إذا لم يوجب الدستور التنظيم فإن التنظيم يكون رخصة من حق المشرع أن يستخدمها أو لا يستخدمها وأن يتخير الوقت المناسب لذلك وهذه مسألة سياسية وليست قانونية ولا يسأل عنها المشرع أمام القاضي الدستوري، وإنما يسأل عنها سياسياً في ضوء توجهات الرأي العام الذي يستطيع ممارسة الضغط عليه عندما يرى حاجة المجتمع إلى تشريع ما.

- الأساس الفلسفي لرقابة الإغفال التشريعي:

يرد الفقه في غالبته أساس الرقابة القضائية على ما أغفل المشرع تنظيمه إلى ذات الأساس الذي تقوم عليه فكرة رقابة دستورية القوانين ألا وهي فكرة "سمو الدستور" والذي من مقتضاه تسمو قواعد الدستور وأحكامه على ما عداها من قواعد دخل الدولة وهي قواعد قانونية آمرة وملزمة وتفرض على المشرع التزامات إيجابية بالتشريع لحماية موضوعات دستورية كموضوع الحقوق والحريات (16).

وهذه النصوص لم توضع لمجرد أن تكون قيم مثالية ترنو الأجيال إليها وإنما هي قواعد قصد منها أن تكون ملزمة لا يجوز تهميشها أو تجريدها من آثارها أو الإخلال بمقتضياتها، وفي ذلك تؤكد المحكمة الدستورية العليا أن (17) " إن رقابة هذه المحكمة للنصوص التشريعية المطعون عليها إنما تتغيا ردها إلى أحكام الدستور تغليبا لها على ما دونها وتوكيداً لسموها على ما عداها لتظل الكلمة العليا للدستور باعتباره القانون الأساسى الأعلى الذى يرسى القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم فيحدد للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية صلاحياتها واضعاً الحدود التى تقيد أنشطتها وتحول دون تدخل كل منها فى أعمال الأخرى ، مقرراً الحقوق والحريات العامة مرتباً ضماناتها · وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن نصوص الدستور تتوخى أن تحدد لأشكال من العلائق السياسة والاجتماعية والاقتصادية مقوماتها ، ولحقوق المواطنين وحرياتهم تلك الدائرة التى لايجوز اقتحامها ، فلا يمكن أن تكون النصوص الدستورية - وتلك غاياتها - مجرد نصوص تصدر لقيم مثالية ترنو الأجيال إليها ، وإنما قواعد ملزمة لايجوز تهميشها أو تجريدها من آثارها أو إيهانها من خلال تحوير مقاصدها أو الإخلال بمقتضياتها أو الإعراض عن متطلباتها، فيجب دوماً أن يعلو الدستور ولا يعُلى عليه وأن يسمو ولا يُسمى عليه.

فإذا تدخل المشرع ونفاذا لحكم الدستور – بالتنظيم لحق معين فإن تدخله يجب أن يكون متكامل الجوانب مفعلاً لكافة الضمانات الدستورية لهذا الحق بحيث إذا أغفل جانباً فإن ذلك من شأنه أن يقلل من الحماية الدستورية لهذا الحق بما يخالف الدستور.

فضلاً عن أن كل مخالفة للدستور، سواء تعمداه المشرع أم انزلق إليها بغير قصد يتعين قمعها وأنه إذا كان القضاء الدستوري يراقب النشاط الإيجابي للبرلمان ويهدر التشريع المخالف للدستور فمن باب أولى يستطيع أن يراقب الإغفال التشريعي أو التنظيم غير المتكامل إذا كان من شأنه أن يتضمن مخالفة دستورية، كما أن فكرة الدولة القانونية تكفل خضوع جميع سلطات الدولة للقانون سواء في تصرفاتها الإيجابية أو السلبية التي تشكل مخالفة دستورية.

فضلاً عما تقدم فإنه وعلى افتراض صحة القول بأن القانون تعبير عن الإرادة العامة، فإن البرلمان هو أداة صياغة هذا التعبير، والإغفال التشريعي ما هو إلا تعبير عن الإرادة العامة لم تتم صياغته بمعرفة البرلمان، ومن ثم تشكل عدم الصياغة مخالفة دستورية.

رقابة الإغفال التشريعي في النظم الدستورية المقارنة (18):

تبنت بعض النظم صراحة الرقابة على الإغفال التشريعي المجرد، كما اعترف القضاء الدستوري بحقه في رقابة الإغفال التشريعي رغم غياب النص الصريح عليها.

- ففي فرنسا: يقوم المجلس الدستوري بمراقبة الإغفال التشريعي وتتسم سياسته إزاءها بالتوسع حيث لم يقتصر على الحالة التي يكون فيها مخالفاً لنص دستوري بطريق مباشر وإنما مد رقابته إلى حالات يكون فيها الإغفال التشريعي مخالفاً لنص تشريعي سابق (19).

ولقد راقب المجلس الدستوري الفرنسي امتناع المشرع عن إصدار قاعدة قانونية واجبة، مستصحباً في ذلك ما استقر عليه قضاء مجلس الدولة الفرنسي من مراقبة القرارات الإدارية السلبية. وذهب الفقه الفرنسي إلى أن امتناع المشرع هو عدم الاختصاص السلبي ينطوي في ذاته على تجاوز البرلمان لسلطته، وان عدم الاختصاص السلبي يشبه تماماً عدم الاختصاص الإيجابي المتمثل في إصدار قواعد تشريعية خارج مجال اختصاصه (20).

وذهب المجلس الدستوري في أكثر من موضع إلى أن تنظيم المشرع للموضوع إما أن يكون كافياً أو غير كاف ويقرر عدم الدستور لأي تنظيم تشريعي يكون غير كاف ومن أهم قراراته في هذا الشأن في مجال الرقابة على الإغفال التشريعي – القرار الصادر في 18 يناير 1985 حيث قضى بعدم دستورية أحد النصوص لأن المشرع أغفل تحديد الجريمة بصورة تحول دون وقوع ثمة تعسف من جانب السلطات العامة. كذلك قراره الذي انتهى فيه إلى عدم تحديد المشرع للجريمة بصورة كافية فيما يتعلق بجرائم الإرهاب والجرائم الصحفية وقراره الصادر بشأن حرية الصحافة حيث نظم المشرع بعض الجرائم الصحفية بصورة غير محددة مما يؤدي إلى عدم تحديد مرتكبي هذه الجرائم وبالتالي الإخلال بمبدأ المساواة الوارد بالدستور (21).

- وفي إيطاليا: فقد أصدرت المحكمة الدستورية الإيطالية حكماً شهيراً سنة 1971 يتعلق بحق المدافع في الحضور أثناء استجواب المتهم في مرحلة التحقيق مؤكدة أن إعلانها بعدم دستورية نص المادة 304 مكرراً من قانون الإجراءات الجنائية بصفة جزئية قد أصدرته بحكم سلطتها التي أملت عليها إلغاء القواعد المخالفة للدستور، وذلك لأن إغفال المشرع النص على هذا الحق يعتبر مخالفاً للمبادئ الدستورية ، باعتبار أن هذا الإغفال يمس الضمانات التي أكدها الدستور ويتضح من هذا الحكم أن المحكمة مارست رقابتها على نص تشريعي فاستخلصت معناه في ضوء إغفال الإشارة إلى هذا الحق. وقالت المحكمة إن محل الحكم هو القاعدة القانونية التي حكم بإعلان عدم دستوريتها جزئياً وليس مجرد امتناع المشرع ويبين من استقراء الفقه والقضاء في إيطاليا أن المشكلة لا تتعلق بالرقابة على امتناع المشرع عن وضع قاعدة قانونية معينة أو إنما تتعلق بحدود سلطتها في الرقابة. وقد التجأت المحكمة الدستورية الإيطالية إلى عدة وسائل فنية في التفسير لتمكينها من الرقابة الدستورية للقواعد القانونية في ضوء امتناع المشرع عن النص على بعض الأحكام (22) .

وقد لوحظ أن المحكمة الدستورية الإيطالية تعلق عدم دستورية التشريع في الجزء الذي لم ينص عليه التشريع خلافاً لما كان يجب عليه أن يتضمنه وقد استخدمت أحكام المحكمة عدة اصطلاحات مختلفة، مثل عدم دستورية النص الذي شابه إغفال تشريعي لأمر معين، أو النص الذي لم يتضمن هذا الأمر، أو النص الذي لم يمتد إلى هذا الأمر أو لم يستبعد هذا الأمر، أو لم يواجهه، أو لم يضعه موضع الاعتبار أو لم يقيده، أو لم يلاحظه (23).

وفي المجر: فقد خلا الدستور المجري من النص صراحة على الرقابة على الإغفال التشريعي، مكتفياً بالنص على تبني الرقابة على دستورية القوانين، وترك تحديد كل ما يتعلق بالرقابة إلى قانون المحكمة الدستورية.

ووفقاً لهذا القانون فإن الرقابة على الدستورية تتسع لتشمل رقابة الإغفال التشريعي.

وقد توسعت المحكمة الدستورية بالمجر في إعمال رقابتها على الإغفال التشريعي ولم تقصر هذه الرقابة في حالة وجود التزام دستوري لتدخل المشرع وإنما أعملت رقابتها حتى في غياب هذا الإلتزام (24).

وفي البرازيل: وسع الدستور البرازيلي من موضوع رقابة الإغفال التشريعي طالما أن غياب الإجراءات التشريعية أو الإدارية يقلل من فعالية النص الدستوري(25).

كيفية معالجة النظم الدستورية للإغفال التشريعي:

اختلفت النظم الدستورية المختلفة في كيفية معالجتها لمشكلة إغفال المشرع تنظيم بعض الموضوعات أو بعض جوانبها سواء كان هذا الإغفال كلياً أم جزئياً.

وتعتبر مشكلة كيفية معالجة الإغفال التشريعي أهم نقاط البحث في رقابة الإغفال لأنها تطرح بصورة مباشرة طبيعة العلاقة بين جهة الرقابة والسلطة التشريعية وحدود الرقابة وهل يحل القاضي الدستوري محل المشرع عند قيامه برقابة الإغفال خاصة في حالة الإغفال الكلي أو السكوت وما هي الوسائل الفنية التي يستطيع عن طريقها أن يراقب قاضي الدستورية مسألة الإغفال التشريعي دون أن يتجاوز حدود وظيفته.

ولقد عرفت النظم الدستورية أربعة صور لمعالجة الإغفال التشريعي وهي:

1- الأحكام الكاشفة:

يقتصر دور القاضي في هذه الصورة على مجرد الكشف عن وجود إخلال دستوري بصفة عامة ومن بين هذا الإخلال وجود إغفال تشريعي ولا يتجاوز دور القاضي الدستوري في هذه الصورة مجرد الكشف عن وجود إغفال تشريعي وإخطار السلطة التشريعية به دون أن يكون له مكنة الحكم بعدم دستوريته وأبرز مثال لذلك النظام البرتغالي حيث تنص المادة 283/2 على أن يقوم القاضي الدستوري بإخطار السلطة التشريعية المختصة بوجود إغفال تشريعي مخالف للدستور (26)، وتأخذ المادة 103 من الدستور البرازيلي بنفس الحل.

2- الأحكام الإيعازية:

في هذه الصورة لا يقتصر دور القاضي الدستوري على مجرد الكشف عن وجود إغفال تشريعي وإنما يخاطب المشرع ويوجه إليه نداء لسد هذا العجز أو الإغفال، وهذا الخطاب له أساليب وصيغ عديدة منها توجيه طلب مباشر أو توصية أو نصائح وقد تتضمن تأنيباً ويمكن أن يلجأ القاضي الدستوري إلى صيغة آمرة بأن يوجه ما يشبه الأمر لكن في النهاية ليس هناك إلزام على السلطة التشريعية بأن تستجيب لهذا الأمر أو حتى النداء أو التوجيه.

والنظم التي تبنت طريقة الأحكام الإيعازية منها ما لا يقتصر على مجرد الإيعاز بوجود إغفال وإنما تورد ما يفيد أن عدم تدخل المشرع خلال مدة معقولة لمعالجة هذا الإغفال فإن ذلك يؤدي إلى بطلان النص المتضمن هذا القصور.

وهذه الأحكام الأخيرة تعتبر وسيلة ضغط مناسبة يمكن عن طريقها إلزام المشرع بسد ثغرات النصوص التشريعية المتضمنة إغفال تشريعي.

وقد لجأت المحكمة الدستورية الإيطالية والأسبانية والألمانية إلى هذا الحل بحيث تكون القوانين المنطوية على الإغفال التشريعي دستورية بصورة مؤقتة وفي ذات الوقت تخطر المشرع وتنذره بأنه إذا ظلت القاعدة القانونية كذلك ولم يتدخل المشرع خلال فترة زمنية معقولة لتفادي هذا الإغفال التشريعي فإن ذلك سوف يؤدي بها إلى الحكم بعدم دستوريته في المرة القادمة (27).

3- الحكم بعدم دستورية النص المنطوي على الإغفال:

في هذه الصورة يتولى القاضي الدستوري معالجة الإغفال التشريعي عن طريق الحكم الصادر منه دون أن يوجه إلى المشرع أي نداء أو خطاب أو توصية أو حتى يمنحه مهلة لمعالجة الإغفال وعدم الدستورية هنا لا ينصب على النص بصورة كلية وإنما يقتصر فقط على الجزء المتضمن للإغفال فيكون إلغاء النص إلغاء "جزئياً".

وهذه الطريقة هي التي اختارتها المحكمة الدستورية العليا لمعالجة موضوع الإغفال التشريعي وكذلك المجلس الدستوري الفرنسي. وسوف نفصل الكلام حولها بعض الشيء عند تناولنا لمعالجة المحكمة الدستورية العليا للإغفال التشريعي.

4- الأحكام المضيفة أو المكملة:

في هذه الحالة يقوم القاضي الدستوري بتفسير النص التشريعي مع الإضافة إلى النص ما أغفله أو سكت عنه حتى يكون متطابقاً مع الدستور.

وتفسير القاضي الدستوري للنص يمكن أن يأخذ أحد ثلاث صور: الأولى: التفسير الإنشائي أو البناء الذي يكون الغرض منه ملء الفراغ التشريعي. الثانية: التفسير المحايد: الذي لا يتضمن أي إضافة إلى النص التشريعي، ويقتصر على مجرد التفسير. وأخيراً التفسير التوجيهي الذي لا يكون الغرض منه إلا توجيه القائمين على تطبيق القانون باتباع منهج معين أو اتباع الضوابط والتحفظات التي انتهى إليها القاضي الدستوري من خلال تفسيره للنص محل الرقابة.

ولا نريد الدخول في تفصيلات حول هذه الطرق حيث أن البحث فيها يطول.

رقابة الإغفال فى القضاء الدستورى المصرى  :

        أثيرت مسألة اختصاص القضاء فى مصر بمراقبة دستورية القوانين منذ زمن طويل يرجع إلى عام 1924 عندما دفع بعدم الدستورية لأول مرة أمام محكمة جنايات الإسكندرية ثم أمام محكمة تلا الجزئية عام 1926التى أصدرت حكمها الذى قرر صراحة حق القضاء فى رقابة دستورية القوانين وصولاً إلى حكم محكمة مصر الأهلية الصادر فى أول مايو 1941 الذى أكد فى متانة ووضوح حق القضاء فى رقابة دستورية القوانين ......حتى صدور حكم محكمة القضاء الإدارى الصادر عام 1948 الذى يعد علاقة فارقة فى الاعتراف للقضاء بحقه فى رقابة دستورية القوانين .....إلخ (28) .

مرحلة المحكمة العليا:

        إذا كان القضاء – سواء العادى او الإدارى – قد باشر مهمة رقابة دستورية القوانين بطريق الامتناع عن تطبيق النص التشريعى المخالف للدستور ، منذ زمن طويل ، فإنه لا يمكن القول بوجود قضاء دستورى متخصص قبل عام 1969 إذ أنشأت المحكمة العليا بالقرار بقانون 81 لسنة 1969 لتتولى دون غيرها مهمة الرقابة على دستورية القوانين .

        وبالنسبة لموضوعنـا محل البحـث وهو رقابـة الإغفال التشريعى ، فلا يمكن الجزم - فى الفترة منذ عام 1969 حتى تاريخ تشكيل المحكمة الدستورية العليا 1979 – بأن المحكمة العليا قد باشرت رقابتها على الإغفال التشريعى سواء قبولاً لهذا النوع من الرقابة أو رفضاً لمباشرته فالأحكام الصادرة فى هذه الفترة لا تفيد فى ذلك فهى لم تفصل فى مقطع النزاع بالنسبة لهذه المسألة .

رقابة الإغفال فى قضاء المحكمة الدستورية العليا :

    تعرضت المحكمة الدستورية العليا منذ اوائل أحكامها للإغفال التشريعى وترددت فى بداية هذه الأحكام فى اعتباره عيباً يمكن ان يصم التشريع المطروح عليها بعدم الدستورية فقد اعتبرت إغفال المشرع أو قصوره فى التنظيم لأحد الموضوعات من قبيل الملاءمات التى يستقل بتقديرها المشرع . وقد ظهر هذا الاتجاه فى حكمها الصادر بجلسة 16 فبراير 1980 فى القضية رقم 13 لسنة 1 قضائية " دستورية " والذى يعد الحكم الأول – وربما الوحيد من ملاءمات التشريع ولا رقابة عليه ، فقد ورد فى حكمها :

حيث إن المدعى يطلب الحكم بعدم دستورية المادة الثالثة من القانون رقم 52 لسنة 1966 لسبب حاصله أن هذا القانون لايشترط قيام علاقة إيجارية بين الدائن والمدين تتوافر بها شبهة فى الدين ويتسنى معها افتراض أنه تم بالتحايل على الأجرة القانونية المقررة فى قانون الاصلاح الزراعى. وإذ لم ينظم هذا القانون طريقاً لاشهار صفة المستأجر الأرض الزراعية حتى يتأتى لمن كان قد تعامل معه أن يكون على بينه من التزامه القانونى باخطار الجمعية التعاونية الزراعية المختصة بالدين، فإن الجزاء الذى نصت عليه المادة الثالثة منه وهو سقوط الدين يعتبر من قبيل المصادرة والعدوان على الملكية بالمخالفة لما تقضى به المادتان 34، 36 من الدستور.

وحيث إن القانون رقم 52 لسنة 1966 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 بالإصلاح الزراعى، تضمنت نصوصه تعديل بعض مواد المرسوم بقانون المشار إليه، كما أوردت أحكاماً جديدة منها ما نصت عليه المادة الثالثة- المطعون بعدم دستوريتها- من أنه:"يجب على كل مؤجر أو دائن أيا كانت صفته يحمل سندا بدين على مستأجر أرض زراعية كالكمبيالات وغيرها أن يتقدم خلال شهرين من تاريخ العمل بهذا القانون ببيان واف عن هذا الدين وقيمته وسببه وتاريخ نشوئه وتاريخ استحقاقه واسم الدائن وصفته ومحل اقامته واسم المدين وصفته ومحل اقامته. ويقدم هذا الاخطار إلى الجمعية التعاونية الزراعية الواقع فى دائرتها محل إقامة المدين. سبعة أمثال الضريبة أو تمثل ديوناً وهمية يستغلها المالك للتخلص من مزارعيه فى أى وقت يشاء، وعلاجا لذلك استحدث القانون الحكم الوارد فى المادة الثالثة المشار إليها والمادتين التاليتين لها بقصد القضاء على هذا النوع من الاستغلال. ولما كانت ملاءمة التشريع والبواعث على اصداره من اطلاقات السلطة التشريعية مالم يقيدها الدستور بحدود وضوابط معينة، وكان مايقرره المدعى بشأن اغفال النص المطعون فيه تنظيم طريق لاشهار صفة المستأجر للأرض الزراعية حتى يتبين من تعامل معه التزامه بالاخطار عن دينه، لايعدو أن يكون جدلا حول ملاءمة التشريع وما قد يترتب عليه من اجحاف بحقوق طائفة من الدائنين، فإن ماينعاه المدعى فى هذا الشأن لا يشكل عيبا دستوريا يوصم به النص المطعون فيه وتمتد إليه الرقابة على دستورية القوانين.   لما كان ذلك وكانت الملكية الخاصة التى نصت المادة (34) من الدستور على أنها مصونة لا تنزع الا للمنفعه العامة ومقابل تعويض ، والمصادرة التى تحظرها المادة (36 ) من الدستور إذا كانت عامة ولاتجيزها إلا بحكم قضائى إذا كانت مصادرة خاصة ، يؤدى كلاهما إلى تجريد المالك عن ملكه ليؤول إلى الدولة، بتعويض فى حالة نزع الملكية وبغير مقابل عند مصادرته، وكان ما نصت عليه المادة الثالثة من القانون رقم 52 لسنة 1966 لايتضمن مساساً بالملكية الخاصة أو نزعاً لها جبراً عن مالكها، كما لايقضى باضافة أية أموال مملوكة للأفراد إلى ملك الدولة، ذلك أنها اقتصرت على تنظيم العلاقة بين مستأجر الأرض الزراعية ودائنيه ورتبت على عدم الاخطار بالدين فى الأجل المحدد بها سقوطه لمصلحة المستأجر وحده ، فإن ما أثاره المدعى بصدد عدم دستورية هذه المادة وبشأن اعتبار ما نصت عليه من سقوط الدين عدواناً على الملكية ومصادرة للأموال، يكون على غير أساس.

وإذا نحينا هذا الحكم جانبا نجد أن المحكمة الدستورية العليا سرعان ما عدلت عن هذا الاتجاه وباشرت رقابتها الكاملة على ما اغفل المشرع تنظيمه باعتبار أن التنظيم القاصر فى ذاته يشكل مخالفة للدستور ويحد من فعالية الحقوق التى ينظمها المشرع تنظيماً قاصراً ، والمحكمة بذلك لا تراقب إلا الإغفال الجزئى ولا تتدخل فى مراقبة السكوت عن التنظيم أو ما يسمى فى الفقه بالإغفال الكلى .

وتبين – من خلال بعض الأحكام – موقف المحكمة الدستورية العليا فى مواجهتها للإغفال التشريعى ، وتتولى بعد ذلك تقييم دور المحكمة فى رقابتها للإغفال التشريعى .

لعل أول الأحكام التى واجهت فيها المحكمة الدستورية العليا الإغفال التشريع المتضمن اعتداء على الحقوق والحريات كان حكمها الصادر بجلسة 25 من يونيو سنة 1983حيث قضت بعدم دستورية القرار بقانون 104 لسنة 1964 بأيلولة ملكية الأراضى الزراعية - التى تم الاستيلاء عليها طبقاً لأحكام المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 بشأن الإصلاح الزراعى والقرار بقانون رقم 127 لسنة 1961 المعدل له – إلى الدولة دون مقابل .

وأقامت قضاؤها على دعامة رئيسية مقتضاها أن القرار بقانون المقضى بعدم دستوريته قد أغفل تقرير حق الملاك فى التعويض عن أراضيهم المستولى عليها .وقد أوردت فى حكمها :

وحيث إن مما ينعاه المدعيان على القرار بقانون رقم 104 لسنة 1964 المطعون فيه أنه إذ قضى بأيلولة ملكية الأراضى الزراعية –التى تم الاستيلاء عليها طبقاً لأحكام المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 بالاصلاح الزراعى، والقرار بقانون رقم 127 لسنة 1961 المعدل له- إلى الدولة دون مقابل يكون قد انطوى على اعتداء على الملكية الخاصة، ومصادرة لها، وذلك بالمخالفة لحكم كل من المادة 34 من الدستور التى تنص على أن الملكية الخاصة مصونة والمادة 36 منه التى تحظر المصادرة العامة، ولاتجيز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائى.

        وحيث إنه فى 21 مارس سنة 1964 صدر القرار بقانون رقم 104 لسنة 1964 المطعون فيه، ونص فى مادته الأولى على أن "الأراضى الزراعية التى تم الاستيلاء عليها طبقاً لأحكام المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 والقانون رقم 127 لسنة 1961 المشار إليهما، تؤول ملكيتها إلى الدولة دون مقابل" ، وفى مادته الثانية على أنه "يلغى كل نص يخالف أحكام هذا القانون" ، وانتهى فى مادته الثالثة والأخيرة إلى النص على أن ينشر هذا القانون فى الجريدة الرسمية، ويعمل به من تاريخ نشره. وقد تم نشره فى الجريدة الرسمية فى 23 مارس سنة 1964.

        وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت جميعها منذ دستور سنة 1923 على النص على مبدأ صون الملكية الخاصة وحرمتها باعتبارها فى الأصل ثمرة النشاط الفردى، وحافزه على الانطلاق والتقدم، فضلاً عن أنها مصدر من مصادر الثروة القومية التى يجب تنميتها والحفاظ عليها لتؤدى وظيفتها الاجتماعية فى خدمة الاقتصاد القومى. ومن أجل ذلك، حظرت تلك الدساتير نزع الملكية الخاصة جبراً عن صاحبها الا للمنفعة العامة ومقابل تعويض وفقاً للقانون (المادة 9 من كل من دستور سنة 1923 ودستور 1930 والمادة 11 من دستور سنة 1956 والمادة 5 من دستور سنة 1958 والمادة 16 من دستور سنة 1964 والمادة 34 من دستور سنة 1971) كما نص الدستور القائم صراحة على حظر التأميم الا لاعتبارات الصالح العام وبقانون ومقابل تعويض (المادة 35). بل أنه امعاناً فى حماية الملكية الخاصة وصونها من الاعتداء عليها بغير حق حظر هذا الدستور المصادرة العامة حظراً مطلقاً، كما لم يجز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائى (المادة 36).

لما كان ذلك، وكان استيلاء الدولة على ملكية الأراضى الزراعية الزائدة على الحد الأقصى الذى يقرره القانون للملكية الزراعية يتضمن نزعاً لهذه الملكية الخاصة بالنسبة للقدر الزائد جبراً عن صاحبها، ومن ثم وجب أن يكون حرمانه من ملكه مقابل تعويض، وإلا كان استيلاء الدولة على أرضه بغير مقابل مصادرة خاصة لها لاتجوز إلا بحكم قضائى وفقاً لحكم المادة (36) من الدستور.

ولايقدح فى هذا النظر ما ذهبت إليه الحكومة من أن المادة 37 من الدستور قد سكتت عن النص صراحة على تقرير حق التعويض بالنسبة للاستيلاء على الأراضى الزراعية المجاوزة للحد المقرر قانوناً، ذلك أن ما استهدفه المشرع الدستورى من إيراد هذا النص هو تقرير مبدأ تعيين حد أقصى للملكية الزراعية بما لايسمح بقيام الاقطاع ويضمن حماية الفلاح والعامل الزراعى من الاستغلال، فكان مجال ذلك النص الدستورى مقصوراً على تقرير هذا المبدأ ومحصوراً فى أرساء حكمه، ولم يكن إيراد هذا النص بصدد تنظيم الاستيلاء على الاراضى الزراعية الزائدة عن الحد الأقصى. وبالتالى لم يكن ثمة مقتض فى هذا الصدد لتأكيد مبدأ التعويض عن الاستيلاء على الأراضى الزراعية الزائدة عن هذا الحد اجتزاء بما تغنى عنه المبادىء الاساسية الاخرى التى يتضمنها الدستور والتى تصون الملكية الخاصة، وتنهى عن نزاعها إلا لمنفة مقابل تعويض، ولاتجيز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائى كما لاينال من ذلك ما أثارته الحكومة من أن القرار بقانون رقم 104 لسنة 1964 قد جاء استجابة من المشرع لم يقرره الدستور فى مادته الرابعة من أن الأساس الاقتصادى للدولة يهدف إلى تذويب الفوارق بين الطبقات، وفى مادته السابعة من أن التضامن الاجتماعى أساس المجتمع ذلك أن التزام المشرع بالعمل على تحقيق تلك المبادىء لايعنى ترخصه فى تجاوز الضوابط والخروج على القيود التى تضمنتها مبادىء الدستور الأخرى ومنها صون الملكية الخاصة وعدم المساس بها الا على سبيل الاستثناء وفى الحدود وبالقيود التى أوردتها نصوصه.

وحيث إنه تمشياً مع هذا المفهوم الصحيح لأحكام الدستور، فإن تشريعات الاصلاح الزراعى المتعاقبة التى صدر بها المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952، والقرار بقانون رقم 127 لسنة 1961 والقرار رقم 50 لسنة 1969 والتى وضعت حداً أقصى للملكية الزراعية، وقررت الاستيلاء على ما يزيد عن هذا الحد لم تغفل حق الملاك فى التعويض عن أراضيهم المستولى عليها، وإنما قررت حقهم فى التعويض عنها وفقاً للقواعد والاسس التى نصت عليها تلك القوانين. بل أن القرار بقانون رقم 15 لسنة 1963 فى شأن حظر تملك الأجانب للأراضى الزراعية وما فى حكمها قد اعتنق هذا النظر، فنـص فى المادة الرابعة منه على أن يؤدى إلى ملاك تلك الأراضى تعويض يقدر وفقاً للأحكام المنصوص عليها فى المرسوم بقانون رقـــم 178 لسنة 1952.

وحيث إنه على مقتضى ما تقدم، فإن القرار بقانون رقم 104 لسنة 1964 المطعون فيه، إذ نص فى مادته الأولى على أيلولة ملكية الأراضى الزراعية التى تم الاستيلاء عليها طبقاً لأحكام المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 بالاصلاح الزراعى والقرار بقانون رقم 127 لسنة 1961 المعدل له إلى الدولة دون مقابل، يكون قد جرد ملاك تلك الأراضى المستولى عليها عن ملكيتهم لها بغير مقابل، فشكل بذلك اعتداء على هذه الملكية الخاصة ومصادرة لها بالمخالفة لحكم كل من المادة 34 من دستور سنة 1971 التى تنص على أن الملكية الخاصة مصونة، والمادة 36 منه التى تحظر المصادرة العامة للأموال ولا تجيز المصادرة الخاصة الا بحكم قضائى، مما يتعين معه الحكم بعدم دستورية المادة الأولى من القرار بقانون رقم 104 لسنة 1964.

ومن الأحكام واضحة الدلالة فى رقابة المحكمة الدستورية العليا للإغفال التشريعى حكمها الصادر بشأن المحميات الطبيعية بجلسة 1/10/1994 فى القضية الدستورية رقم 20 لسنة 15 قضائية .حيث اكدت على أن إغفال نشر خريطة المحميات التى تبين حدود كل محمية من شأنه أن يجهل بالركن المادى لجريمة الاعتداء على المحميات بما يفقد التجريم خاصية اليقين ويجعله محالفاً للدستور وتبعاً لذلك قضت بعدم دستورية المادة الأولى من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 450 لسنة 1986 بإنشاء محميات طبيعية بمنطقة جب علبة بالبحر الحمر وذلك فيما تضمنته من عدم تعيين الحدود التى تبين النطاق المكانى لتلك المحميات .

وكان من بين ما أوردته المحكمة سنداً لقضائها "

وحيث إن مؤدى ماتقدم ، أن لكل محمية طبيعية بحرية كانت أم برية عنصرين لايتصور وجودها بتخلف أيهما ، أولهما : أن تكون تكويناتها  الطبيعية مبلورة لخصائص متفردة  تستقل بها، ويكون لتميزها درجة من الأهمية  تقتضى إخضاعها لتنظيم خاص يهيمن على أوضاعها لضمان أن تظل مقوماتها نائيه عما يهددها أو ينال من بقائها 0ثانيهما : أن يكون  نطاق امتدادها فى المكان معيناً تعيينا قاطعاً ، باعتبار أن لكل محمية وبالضرورة حيزا جغرافيا يُبين تخومها ، ويتعين أن تنحصر داخل حدوده ، تلك الأفعال التي قيد المشرع ممارستها أو حظرها فيها .

وحيث إن اجتماع العنصرين السابقين فى المحمية الطبيعية ، مؤداه أن العدوان عليها أو مخالفة النظم السارية فى شأنها ، لايتصور أن يتم بأفعال تقع وراء حدودها الخارجية ، ولا بأفعال لاتخل بالأغراض المقصودة من إنشائها وحمايتها أيا كان مكان ارتكابها ، ويعتبر فى حكم الطائفة الأولى من الأفعال ، تلك التى يتعذر التيقن مما إذا كان مرتكبها قد أتاها داخل الحدود الجغرافية للمحمية الطبيعية أو خارج محيطها . وهو مايقع دوما كلما  جهّل المشرع بأبعادها التى يتعين على السفن والأشخاص التزامها توقيا للوقوع فى حمأة التجريم .

وحيث إن ماتقدم مؤداه  أن قانون المحميات الطبيعية لم يؤثم أفعالا بذواتها استقلالاً عن مكان وقوعها ، بل جعل ارتكابها داخل حدودها شرطا لتجريمها ، باعتبار أن ذلك وحده هو الذى يقيد أو يعطل الأغراض المقصودة  من إنشائها ، وأن إتيانها بعيدا عن هذا المكان ليس بذى أثر على مكوناتها وخصائصها الطبيعية . ومن ثم لايكون المكان فى المحميات الطبيعية ظرفا مستقلا عن الركن المادى للجرائم التى أحدثها القانون المنظم لها ، بل هو مفترض أولى  لاكتمال مادية الأفعال التى تكونها ، وبالتالى لايقوم النشاط الإجرامى للجانى بالغا مداه بالمعنى المقصود فى قانون المحميات الطبيعية إذا ماتم وراء مواقعها .

وحيث إن التنظيم العقابى المقارن لايناهض ماتقدم ، وذلك كلما  كان المكان لازما لوقوع الجرائم التى نص عليها ، كدخول شخص بيتا مسكونا أو مكانا معدا للسكنى أو ملحقاتهما قاصدا من ذلك  إتيان إحدى الجرائم فيه ولو لم تتعين . ولا كذلك تقرير عقوبة على أفعال بذواتها استقلالا عن وقوعها فى مكان محدد أو خلال زمن معين ، إذ لايعد هذا المكان أو ذلك الزمان ظرفا يتوقف  تأثيمها على توافره  ، فإذا لابسها ، تعين تغليظ العقوبة المقررة أصلا لها 0 فماينص عليه قانون العقوبات من أن كل من اختلس مالا لغيره فهو سارق ، لايعدو أن يكون تعريفا بالسرقة من خلال تحديد ركنيها ، فإذا حصلت فى مكان مسكون أو معد للسكنى أو ملحقاتهما، كان ذلك ظرفا مشددا للسرقة مستوجبا تغليظ عقوبتها ردعاً لمرتكبها 0 وكذلك الأمر بالنسبة إلى السرقات التى تقع ليلا، باعتبار أن ظرفا زمنيا قد قارنها ، وإن لم يكن متطلبا لوجودها قانونا .

وحيث إن المحميات الطبيعية التي نظمها القانون رقم 102 لسنة 1983 المشار إليه وأحاطها  بالحماية الجنائية تقديرا منه لحيوية المصالح التي ترتبط بوجودها ، لا ينشئها إلا قرار يصدر عن رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح جهاز شئون البيئة بمجلس الوزراء يكون كاشفا عن حدودها قاطعا بتخومها ، ليكون نطاقها المكانى جليا واضحا توقيا لاختلاطها بغيرها من المناطق البحرية ، وتعيينا للدائرة التى لايتصور وقوع الأفعال التى أثمها فيما وراء محيطها ، وكان إعمال أحكام هذا القانون رهنا بصدور ذلك القرار مستكملا العناصر التى لايقوم إلا بها ، فإن تعيين حدود المحميات البحرية التي يسرى عليها ، يجب أن يكون محمولا عليه أو متسانداً إليه سواء بين مواقعها فى صلبه أم  أحال فى شأن تجليتها إلى وثيقة أفصح عنها ، لتندمج بالتالى فى الأحكام التى تضمنها ، وتغدو جزءا منها يتكامل معها .

وحيث إن إعلام المخاطبين بالقانون رقم 102 لسنة 1983 آنف البيان إعلاما كافيا fair notice  بحدود المحميات الطبيعية لضمان حقوقهم وحرياتهم التى نص عليها الدستور أو كفلتها قواعد القانون الدولى العام ، لايتأتى إلا من خلال نشرها فى الجريدة الرسمية التى تتحقق بها العلانية ، وكان قرار رئيس مجلس الوزراء المطعون فيه قد أحال فى شأن تعيين حدود المحميات الطبيعية التى عينها إلى خريطة تبين مواقعها ، إلا أنها لم تنشر ، وظل خافيا بذلك النطاق المكانى الذى تمتد إليه تلك المحميات على صعيد المياه البحرية ، وكان إتيان الأفعال التى أثمها قانون المحميات الطبيعية فى هذا النطاق شرطا لتجريمها على ماسلف البيان فإن  القرار المطعون فيه إذ جهل  بحدود المحميات الطبيعية التى يسرى عليها والتى يعتبر تعيينها مفترضا أوليا لإعمال النصوص العقابية التى تضمنها القانون المنظم لتلك المحميات من خلال ترسيم الدائرة التى تعمل فيها   يكون مفتقرا إلى خاصية اليقين التى تهيمن على التجريم ، ويخل كذلك  بالحرية الشخصية من خلال القيود التي لا يجوز أن تنال من جوهرها essential core  ،  ويغدو هذا القرار بالتالى  مخالفا للمادتين 41 ، 66 من الدستور 0  

ومن الأحكام الهامة والصريحة فى رقابة الإغفال التشريعى حكـم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 2/5/1999 فى القضية رقم 182لسنة19 قضائية " دستورية " حيث قضت المحكمة بعدم دستورية المادة (13) من قانون حماية الأثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983 فى مجال تطبيقها على الملكية الخاصة ، وذلك فيما لم تتضمنه من تعويض المالك عن اعتبار ملكه اثراً.

 

وقد أسست المحكمة قضاءها على أسباب حاصلها:

 وحيث إن الحماية التى كفلها الدستور للملكية الخاصة تفترض ألا ترهق القيود التى يفرضها المشرع عليها- فى إطار وظيفتها الاجتماعية- جوهر بنيانها، وألا يكون من شأنها تعطيل الانتفاع بها بما يفقدها علة وجودها، وينحدر بالحماية المقررة لها إلى ما يفرغها من مضمونها، ذلك أن صون الملكية الخاصة و إعاقتها لا يجتمعان، وكلما تدخل المشرع مقوضا بنيانها من خلال قيود ترهقها إلى حد ابتلاعها، كان عمله افتئاتا عليها منافيا للحق فيها. ومؤدى ذلك أن بقاء الملكية مع الحرمان من مقوماتها أمران متناقضان، ذلك آن نزعها يفيد زوالها عن أصحابها وانتقال سندها إلى أحد الأشخاص الاعتبارية العامة- لا ليباشر عليها حقوق الملكية، تصرفا واستغلالا واستعمالا- وإنما ليسخرها لأغراض تقتضيها مصالح الناس فى مجموعهم، وإذ كان بقاء الملكية بيد أصحابها هو الأصل فيها، فإن إخراجها من ذمتهم يعتبر حرمانا منها لايجوز إلا فى الأحوال التى يقررها القانون، وبالطريقة التى رسمها، ومقابل تعويض عادل، وهذه القاعدة عينها هى التى التزمتها الدساتير المختلفة، جاعلة منها قيدا على السلطتين التشريعية والتنفيذية بما يحول دونهما ونزع الملكية دون مقتض، أو بغير تعويض، أو دون تقيد بالقواعد التى حددها القانون.

وحيث إن تدخل المشرع بتنظيم أوضاع أموال معينة مع ابقائها بيد أصحابها بطريقة تؤدى عملا إلى تقويض مقوماتها من خلال إهدار قيمتها الاقتصادية إلى حد كبير، ولو كان ذلك تذرعاً بالوظيفة الاجتماعية للملكية أو بوجوب المحافظة على التراث القومى- إنما يعد انتقاصاً من حق الملكية تتحدد مشروعيته من زاوية دستورية بأن يكون مقترناً بالتعويض العادل عن القيود التى يتضمنها ذلك التنظيم.

وحيث إن إخراج أموال بذواتها من السلطة الفعلية لمالكيها مع حرمانهم من الفائدة  التى يمكن أن تعود عليهم منها، يعدل- فى الآثار التى يرتبها- نزع الملكية من أصحابها دون تعويض، وفى غير الأحوال التى نص عليها القانون، وبعيدا عن القواعد الإجرائية التى رسمها، بما يعتبر غصبا لها، بل إن اغتيالها على هذا النحو يمثل أسوأ صور العدوان عليها، لاتخاذه الشرعية ثوبا وإطارا وانحرافه عنها قصدا ومعنى، فلا تكون الملكية التى يكفل الدستور صونها إلا سرابا أو وهما.

وحيث إن البين من النص الطعين أنه فرض قيودا على الملكية الخاصة يصل مداها إلى حد تقويض دعائمها فلا يكون الانتفاع بها ممكنا وميسورا، ودون أن يرتبط ذلك بتعويض مقابل تلك القيود، ومنها حظر هدم العقار كله أو بعضه، أو إخراج جزء منه من جمهورية مصر العربية ليمتنع على مالكه استعماله فى كل ما أعد له أو ما يمكن أن يستعمل فيه أو الحصول على أية مزية يمكن أن تتحقق من تصدير جزء منه إلى الخارج، كما غل يده عن تجديد العقار أو تغيير معالمه على أى وجه إلا بموافقة الجهة الإدارية القائمة على شئون الآثار، وبالطريقة التى تراها وبناء على ترخيص منها، كما أوجب عليه الحصول على موافقة كتابية من تلك الجهة عن كل تصرف يرد على العقار لتبدى رأيها  فيه خلال أجل معين يعتبر انقضاؤه بغير رد منها بمثابة قرار برفض التصرف، منتهكا بذلك حرية المالك فى التصرف فى ملكه، كما أطلق يد الجهة المذكورة فى أن تباشر فى أى وقت على نفقتها ما تراه من أعمال لازمة لصيانة الأثر، ويظل لها هذه السلطة ولو أصبح ما بالعقار من أثر منقولا، لتستمر وطأة القيود التى فرضها المشرع مهما طرأ من تغير على حالة العقار حتى ولولم يبق عقارا؛ كما أن حظر نزع ملكية العقار الذى سجل كأثر لا يتضمن ميزة للمالك بل قصد به حرمانه من التعويض الذى يستحقه فى حالة نزع الملكية مع بقاء العقار مثقلا بتلك القيود.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان النص الطعين قد عطل- دون تعويض- كل خيار لمالك العقار فى توجيهه الوجهة التى يقدر أنها فى صالحه، حائلا بذلك دون الانتفاع به اقتصاديا فى الأغراض المقصودة منه، فإنه يتمحض تدميرا للملكية الخاصة لا تسامح فيه أيا كان نطاق المصالح التى يتذرع بها المشرع، ذلك أن مشروعية المصلحة حدها قواعد الدستور، إذ هى مدخلها وقاعدة بنيانها، ولا يتصور أن تقوم مصلحة على خلافها.

وكذلك حكمها الصادر بجلسة 14/4/2002 فى القضية الدستورية رقم 6 لسنة 20 قضائية حيث قضت بعدم دستورية نص المادة (17) من القانون 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتاجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر ، فيما تضمنه من قصر استمرار عقد الإيجار على الزوجة المصرية وأولادها  من زوجها المستأجر غير المصرى عند انتهاء إقامته بالبلاد فعلاً أو حكماً دون الزوج المصرى واولاده من زوجته المستاجرة غير المصرية وأكدت المحكمة بكل وضوح فى هذا الحكم أن مبدأ المساواة كان يحتم أن يمد مظلة حكم النص المطعون فيه إلى الزوج المصرى واولاده من المستأجرة الأجنبية عند انتهاء إقامتها بالبلاد إن فعلاً وإن حكماً . وإذ لم يفعل النص ذلك فإنه يكون مخالفاً لمبدأ المساواة ويتصادم وحكم المادة (40) من الدستور . فقد أوردت المحكمة :

جرى قضاء هذه المحكمة على أن دستور جمهورية مصر العربية نص فى المواد ( 9 و10 و11 و12 ) على أن الأسـرة أساس المجتمع ، وأن قوامهــا الدين والأخلاق والوطنية ، وأن الطابع الأصيل للأسرة المصرية وما يتمثل فيه من قيم وتقاليد هو ما ينبغى الحفاظ عليه وتوكيده، وأن مساواة المرأة بالرجل فى ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وكذلك التوفيق بين عملها فى مجتمعها ، وواجباتها فى نطاق أسرتها وبما لا إخلال فيه بأحكام الشريعة الإسلامية هو ما ينبغى أن تتولاه الدولة وتنهض عليه ، باعتباره واقعاً فى نطاق مسئوليتها مشمولاً بالتزاماتها التى كفلها الدستور ، إلى ذلك فقد حظرت المادة (40 ) من الدستور التمييز بين الرجال والنساء سواء فى مجال حقوقهم أو حرياتهم على أساس من الجنس ، بما مؤداه تكامل هذه المواد واتجاهها لتحقيق الأغراض عينها وعلى القمة منها مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون باعتباره أساس العدل وجوهر الحرية وسنام السلام الاجتماعى .

وإذا كان النص المطعون فيه قد نحا إلى رعاية الزوجة المصرية وأولادها من المستأجر غير المصرى وضمان استمرار المأوى المناسب لهم بعد وفاته أو مغادرته البلاد نهائياً لانتهاء إقامته فيها فقضى باستمرار عقد الإيجار فى هذه الحالة أو تلك لصالح هؤلاء ، ولم يشرط لذلك إلا عدم مغادرتهم البلاد نهائياً ؛ فإن مبدأ المساواة كان يحتم أن تمتد مظلة هذا الحكم إلى الزوج المصرى وأولاده من المستأجرة الأجنبية عند انتهاء إقامتها بالبلاد إن فعلاً وإن حكماً ؛ إلا أن النص الطعين لم يلتزم هذا النظر ، بل أقام تمييزاً بين الزوج المصرى والزوجة المصرية حال تماثل مركزهما القانونى ، فقد اتحدا فى كون كل منهما زوجاً لمستأجرة  أو مستأجر أجنبى بموجب عقد إيجار هو سند إقامة أسرته  بالعين محل الإجارة ؛ ثم اتحدا فى أن الزوج رجلاً كان أم أمراة مستأجر هذه العين انتهت إقامته بالبلاد إن فعلاً بمغادرته البلاد نهائياً وإن حكماً بوفاته ، فنص على استمرار عقد الإيجار بقوة القانون لصالح الزوجة المصرية ولأولادها من الزوج الأجنبى ، وقصر عن إعمال ذات الحكم لصالح الزوج المصرى وأولاده من الزوجة الأجنبية ، فجعل بذلك حكمه قائماً على تمييز بين المصريين بسبب الجنس ، وصاحب ذلك تهوين من حقوق فئة من المصريين مقابل إعلاء حقوق نظرائهم من غير المصريين ، فالمصرية المتزوجة من مستأجر أجنبى وأولادها منه المنتمون إلى جنسيته غير المصرية منحهم النص الطعين حقوقاً أنكرها على المصرى المتزوج من مستأجرة أجنبية وأولاده منها المصرييِّ الجنسية ، وهو تمييز يتصادم بشقيه مع نص المادة (40) من الدستور ، فضلاً عن انطوائه على تهديد لكيان الأسرة المصرية وتماسكها ، وهو ما يتناقض بدوره وأحكام المواد( 9 و10 و11 و12 )من الدستور .

والحكم الصادر بعدم دستورية نص المادة (23) من قانون الجمارك الصادر بقرار رئيس الجمهورية رقم 66 لسنة 1963 فيما لم يتضمنه من وجوب تسبيب قرار مصلحة الجمارك بإطراحها البيانات المتعلقة بقيمة البضائع المستوردة المثبتة فى المستندات والعقود والمكاتبات والفواتير المقدمة من صاحب البضاعة وذلك بجلسة 13/10/2002 فى القضية الدستورية رقم 159 لسنة 20 "قضائية " وقد اقامت المحكمة قضائها على أن :

المقرر فى قضاء هذه المحكمة ، أن الضريبة فريضة مالية تقتضيها الدولة جبراً بما لها من ولاية على إقليمها ، وأن قانونها يرسم حدود العلاقة بين الملتزم بالضريبة من ناحية والدولة التى تفرضها من ناحية أخرى ، فى مجالات عدة من بينها شروط سريانها وسعرها وكيفية تحديد وعائها، وأن حق الدولة فى اقتضاء الضريبة ، يقابله حق الممول فى أن يكون فرضها وتحصيلها على أسس عادلة ، إلا أن التزامه بأدائها لا يرتكن إلى رباط عقدى ، وإنما يبقى مردّه نص القانون فهو وحده مصدر هذا الالتزام ، وهو ما يملكه المشرع فى إطار رعايته لمصلحة الجماعة التى يمثلها . لما كان ذلك ، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن تحديد دين الضريبة يتطلب التوصل إلى تقدير حقيقى لقيمة المال الخاضع لها ، باعتباره شرطاً لازماً لعدالة الضريبة ، ولصون مصلحة كل من الممول والخزانة العامة ، وهو ما مؤداه أن يكون وعاء الضريبة وهو المال المحمل بعبئها محدداً على أسس واقعية يمكن معها الوقوف على حقيقته . متى كان ما تقدم ، وكان المشرع قد أقر فى المادة (22) من قانون الجمارك تعريفاً دقيقاً لقيمة البضائع الواردة ، التى تتخذ وعاءاً لتحديد مقدار الضريبة الجمركية ، يقوم على أساس تحديد قيمة البضائع بقيمتها الفعلية مضافاً إليها جميع التكاليف والمصروفات الفعلية المتعلقة بها حتى ميناء الوصول فى أراضى الجمهورية . إذ كان ذلك، وكان النص الطعين قد خوّل مصلحة الجمارك الحق فى مطالبة صاحب البضاعة بالمستندات المتعلقة بالسلع المستوردة ، دون أن يلزمها بالتقيد بالبيانات التى تضمنتها هذه المستندات ، أو يلزمها بالإفصاح عن مبرراتها فى الالتفات عنها ، أو الوسائل التى اتبعتها فى التوصل إلى القيمة الحقيقية للبضائع المستوردة ، بما يجعل اطراحها هذه المستندات قراراً صريحاً إن أفصحت عن ذلك استقلالاً ، أو ضمنياً بقرارها بتقدير قيمة البضائع المبنى على هذا الاطراح ، وهى نتيجة تناقض ما تقتضيه ضرورة الالتزام بالشفافية فى التعرف على أسس تقدير وعاء الضريبة ، ومن ثم مقدارها ، للتحقق من توافر الشروط الموضوعية التى تنأى بالضريبة عن التمييز ، وتكفل ضمانة الخضوع لشرط الحماية القانونية المتكافئة التى كفلها الدستور للمواطنين جميعاً . وهو الأمر الذى تداركه المشرع فيما بعد ، باستبدال نص المادة (23) المطعون فيه ، بنص بديل تضمن إلزام مصلحة الجمارك بإخطار صاحب الشأن كتابة عند طلبه بالأسباب التى استندت إليها فى عدم الاعتداد بالمستندات المقدمة منه ، إلا أن النص الطعين قبل استبداله يبقى منطوياً على إخلال بمبدأ العدالة الاجتماعية للضريبة ، ومانعاً من موانع التقاضى ، باستبعاد قرار مصلحة الجمارك باطراح البيانات والمستندات التى قدمها صاحب البضاعة من نطاق الرقابة القضائية ، بما يخالف أحكام المادتين ( 38 ، 68 ) من الدستور .

لعل خير مثال لرقابة الإغفال التشريعى نختم به وندلل به على مواجهة المحكمة الدستورية العليا بكل عناية للإغفال التشريعى وهو حمكها الصادر بتاريخ 3/11/2002 فى القضية رقم 70 لسنة 18 قضائية " دستورية " حيث قضت بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977 فى شان تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر ،  فيما لم يتضمنه من النص على انتهاء عقد الإيجار الذى يلتزم المؤجر بتحريره لمن لهم الحق فى شغل العين ، بانتهاء إقامة آخرهم بها سواء بالوفاة أو الترك . وقد أقامت المحكمة قضاءها على أسباب حاصلها :

وحيث إنه عن النعى بمخالفة نص الفقرة الثالثة من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 للشريعة الإسلامية . ومساسه بحق الملكية الخاصة ومخالفته لمبدأ التضامن الاجتماعى، فإنه إذ جرى حكم هذا النص على أنه " وفى جميع الأحوال يلتزم المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن لهم الحق فى الاستمرار فى شغل العين . ويلتزم هؤلاء الشاغلون بطريق التضامن بكافة أحكام العقد " فإن حقيقة هذا الحكم ، وفى إطار عبارات النص ، لم تتجاوز حدود حكم الفقرة الأولى من المادة (29) الذى انتهت المحكمة على ما سلف إلى دستوريتها ، ذلك أن الأمر لم يتجاوز بهذا الحكم أن يُمنح من استمر عقد الإيجار لمصلحته من أقارب المستأجر الأصلى الذين عينتهم الفقرة الأولى ، سنداً لشغله العين المؤجرة ، ويتمثل هذا السند فى عقد الإيجار الذى ألزم النص المؤجر بتحريره ، كما قرر تضامناً بين الأقارب شاغلى العين فيما يتعلق بالالتزامات الناشئة عن هذا العقد ، وفى هذا الإطار وحده تغدو الأسباب التى كشفت عن موافقة حكم الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977 ، للدستور وعدم تعارضها مع أى من أحكامه ، هى بذاتها الأسباب التى يتساند إليها الإبقاء على نص الفقرة الثالثة من المادة (29) المشار إليها فى حدود العبارات التى أوردتها .

وحيث إنه ولئن كان ما تقدم إلا أن إلزام المؤجر بتحرير عقد إيجار لمن عينتهم الفقرة الأولى من المادة 29 المشار إليها ، وبالشروط الواردة فى هذه الفقرة ، وتوقف نص الفقرة الثالثة من المادة (29) عند هذا الحـــد ، من شأنه أن يفضى بهذا النص إلى دائرة عدم الدستورية ، ذلك أن الانتقال بالعقد الذى حرر لمصلحة أى من أقارب المستأجر الأصلى المحددين على النحو سالف الذكر من أن يكون سنداً لشغله العين ، لأن يصبح عقداً منشئاً لعلاقة ايجارية جديدة ، المستأجر الأصلى فيها هو القريب الذى حرر العقد لمصلحته ، مؤداه أن يسرى حكم الفقرة الأولى من المادة (29) على أقارب هذا القريب المقيمين معه حسبما حددهم هذا النص عند وفاته أو تركه العين ، بما يترتب عليه نهوض حكم الفقرة الثالثة ليلزم المؤجر بتحرير عقد إيجار جديد لهم أو لأيهم ، ثم يستمر الأمر متتابعاً فى حكمه ، متعاقباً من جيل إلى جيل ، لتحل به نتيجة محققة هى فقدان المؤجر وبتقدير أنه المالك للعين المؤجرة أو للحق فى التأجير جل خصائص حق الملكية على ما يملكه ، وفيما يتجاوز أية ضرورة اجتماعية تجيز تحميل حق الملكية بهذا القيد ، ذلك أن القيد الذى يحتمله حق الملكية فى هذا الشأن ، هو تقرير امتداد قانونى لعقد الإيجار يستفيد منه المستأجر الأصلى وفقاً لحكم المادة (18) من القانون 136 لسنة 1981 كما يستفيد منه ذوو قرباه المقيمون معه من زوج وأبناء ووالدين وفقاً لحكم الفقرة الأولى من المادة (29) من القانون 49 لسنة 1977 ، حيث كانت إقامتهم معه محل اعتبار جوهرى عند التعاقد ، بما ينهض مبرراً لهذا القيد وفى إطار أزمة الإسكان التى جعلت المعروض من وحداته دون حجم الطلب عليها ، فإذا تجاوز الأمر هذا الحد ، وانقلب القيد الذى تبرره هذه الضرورة الاجتماعية إلى فقدان المؤجر جل خصائص حق الملكية على العين المؤجرة ، ولمصلحة من لم تشملهم الفقرة الأولى من ذات النص ولم يكن محل اعتبار عند التعاقد على التأجير ، فإن الأمر يغدو عدواناً على حق الملكية الخاصة وهو ما يتعارض مع الأوضاع الخاصة بهذا الحق والحماية المقررة له بموجب أحكام المادتين 32 ، 34 من الدستور ، ويوقع حكم الفقرة الثالثة من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977 فى حمأة مخالفة الدستور ، وهى مخالفة توجب القضاء بعدم دستوريتها فيما لم تتضمنه من النص على انتهاء عقد الإيجار الذى يلتزم المؤجر بتحريره لأقارب المستأجر الأصلى المقيمين معه وقت وفاته أو تركه العين والمحددين فى الفقرة الأولى من المادة 29 من ذات القانون ، بانتهاء إقامة آخر هؤلاء الأقارب ، سواء بالوفاة أو تركه العين .

 

سياسة المحكمة الدستورية العليا

فى مواجهة الإغفال التشريعى

يحق لنا بعد هذا العرض لنماذج من قضاء المحكمة الدستورية العليا بشأن رقابة الإغفال التشريعى أن نقف لنتأمل سياسة هذه المحكمة فى مواجهة هذا الموضوع الهام والذى لا يقل أهمية عن رقابة النشاط الإيجابى للمشرع والباحث المدقق لا بد أن يشيد بالسياسة التى أنتهجتها المحكمة الدستورية العليا فى مواجهة قصور المشرع فى التنظيم أو ما يسمى بالإغفال التشريعى وذلك من عدة مناح :-

أولاً :كان المنطلق الأول للرقابة على الإغفال وكما أورد احد الرؤساء العظام لهذه المحكمة(29) أن الدستور يكفل – كما أوردنا من قبل – لكل حق أو حرية نص عليها الحماية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية ، وتتمثل هذه الحماية فى الضمانة التى يكفلها الدستور لحقوق المواطنين وحرياتهم ، والتى يعتبر إنفاذها شرطاً للإنتفاع بها فى الصورة التى تصورها الدستور نطاقاً فاعلاً لها : وشرط ذلك لطبيعة الحال أن يكون تنظيمها كافلاً تنفسها فى مجالاتها الحيوية وأن يحيط بكل أجزائها التى لها شأن فى ضمان قيمتها العملية .

وان كل مخالفة للدستور سواء تعمدها المشرع أو انزلق إليها بغير قصد يتعين قمعها .

ثانياً : أن المحكمة التزمت – من وجهة نظرنا – المنهج الصحيح لرقابة الإغفال التشريعى فقصرت نطاق رقابتها على الإغفال الجزئى ، فتقضى دائماً بعدم دستورية النص فيما لم يتضمنه أو فيما أغفله ، أو فيما تضمنه من قصر دون ان تمد رقابتها إلى كامل ما ورد بالنص التشريعى من أحكام ، بحيث لا يكون على المشرع – فيما بعد ونفاذ للحكم إلا أن يكمل هذا النقص ويغدو بعد ذلك النص كاملاً وموافقاً للدستور .

ثالثاً : أن المحكمة عند مباشرتها لرقابة الإغفال أخضعت نفسها لذات القيود الذاتية التى أعملتها فى نطاق رقابة دستورية القوانين.

رابعاً : اتخذت المحكمة الدستورية العليا من سمو الدستور أساساً أقامت عليه اختصاصها برقابة الإغفال التشريعى وهو ذات الأساس الذى تراقب من خلاله دستورية القوانين .

خامساً : أن المحكمة التزمت تماماً حدود رقابة الإغفال التشريعى فلم تتعرض لرقابة سكوت المشرع عن التنظيم أو ما يسمى فى الفقه بالإغفال الكلى . وهذا من وجهة نظرنا عين الصواب لأن مراقبة هذا النوع من الإغفال يعد تدخلاً مباشراً فى وظيفة المشرع وفى أخص مظاهر سلطته التقديرية ولا يمكن ان يقال : كما يذهب البعض أن على المحكمة أن تواجه هذا السكوت وتمارس دورها إعلاء للشرعية ، لأن هذا الدور ليس دور المحكمة ولا علاقة لها به لأنه تشريع والمحكمة الدستورية العليا تراقب التشريع ولكنها لا تشرع .

سادساً : ان المحكمة حافظت – من خلال رقابتها للإغفال التشريعى – على الحدود الدستورية للعلاقة بينها وبين السلطة التشريعية فلم تخاطب المشرع من خلال أحكامها ولم تستعمل طريقة الأحكام الإيعازية أو المناشدة لسد النقص التشريعى، كما لم تلزمه بتنفيذ ما يصدر عنها من أحكام لأنها تخاطب الكافة ومنهم المشرع بموجب أحكام الدستور . وكما حفظت للمشرع سلطته التقديرية فى تنظيم الحقوق ولم تحاول التدخل فيها طالما كان التشريع الصادر عنه ملتزماً حدود الدستور .

المراجع

(1)      يراجع د. سليمان الطماوي: النظرية العامة للقرارات الإدارية سنة 2006 دار الفكر العربي صـ 30 وما بعدها.

(2)      د. سليمان الطماوي: المرجع السابق صـ 33.

(3)     يراجع: مؤلفنا عن  قيود الرقابة الدستورية سنة 1998، دار نهضة القانون صـ 108 ومؤلفنا عن رقابة دستورية القوانين سنة 1995 دار الفكر العربي صـ 122.

(4)     يراجع المستشار الدكتور عوض المر: الرقابة القضائية على دستورية القوانين في ملامحها الرئيسية – مركز رينيه – جان دبوى للقانون والتنمية، صـ 1352 وما بعدها.

(5)      د. فؤاد العطار: كفالة حق التقاضي "بحث منشور بمجلة العلوم القانونية والاقتصادية، السنة الأولى – العدد الثاني سنة 1959، صـ 630، مؤلفنا عن قيود الرقابة الدستورية المرجع السابق صـ 53 ، 54.

(6)      د. أحمد كمال أبو المجد: دور المحكمة الدستورية العليا في النظامين السياسي والقانوني في مصر بحث منشور بمجلة "الدستورية" التي تصدرها المحكمة الدستورية العليا السنة الأولى- العدد الأول.

(7)      د. أحمد كمال أبو المجد: البحث السابق.

(8)     د. أحمد كمال أبو المجد: البحث السابق.

(9)      أستاذنا المستشار الدكتور عوض المر: المرجع السابق صـ 1418 وما بعدها.

(10)    يراجع في ذلك وفي أمثلة أخرى لمواطن الإغفال التشريعي" د. عوض المر. المرجع السابق صـ 1420.

(11)    د. عوض المر: المرجع السابق صـ 1416.

(12)    حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 243 لسنة 21 قضائية "دستورية" جلسة 4/11/2000.

(13)    حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 193 لسنة 19 قضائية "دستورية" جلسة 6/5/2000.

(14)   حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 7 لسنة 14 قضائية "منازعة تنفيذ" حكم 19/6/1993.

(15)   يراجع في بعض التفصيلات د. عبد الحفيظ على الشيمي: رقابة الإغفال التشريعي في قضاء المحكمة الدستورية العليا – دار النهضة العربية.

(16)    د. عبد الحفيظ الشيمي: المرجع السابق صـ 99.

(17)   حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 11 لسنة 13 قضائية "دستورية" حكم 8/7/2000.

(18)   يراجع: د. أحمد فتحي سرور في مؤلفه عن الحماية الدستورية للحقوق  والحريات، طبعة نادي القضاة صـ 199 وما بعدها، د. عبد الحفيظ الشيمي: المرجع السابق صـ 31 وما بعدها.

(19)   د. عبد الحفيظ الشيمي: المرجع السابق صـ 62.

(20)    د. أحمد فتحي سرور المرجع السابق صـ 202.

(21)    د. عبد الحفيظ الشيمي. المرجع السابق صـ 64.

(22)    يراجع في ذلك وفي تفصيلات أخرى د. أحمد فتحي سرور المرجع السابق صـ 203 وما بعدها.

(23)    د. أحمد فتحي سرور: المرجع السابق صـ 204 هامش 2.

(24)     د. عبد الحفيظ الشيمي: المرجع السابق صـ 46.

(25)     في بعض التفصيلات د. عبد الحفيظ الشيمي ، المرجع السابق صـ 37 وما بعدها.

(26)     د. عبد الحفيظ الشيمي – المرجع السابق صـ 138..

(27)  يراجع في التفاصيل: المرجع السابق صـ 145 وما بعدها.

(28)    الوقوف على اتطور التاريخى يراجع : بحثنا عن التطور التاريخى لمبدأ رقابة دستورية القوانين فى مصر – مجلة الدستورية – السنة الأولى – العدد الأول

(29)     يراجع المستشار الدكتور عوض المر فى مؤلفه سابق الإشارة إليه صـ1416